عبد الرحمن بن ناصر السعدي
489
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
لكلمات ربي ) * أي : وأشجار الدنيا ، من أولها إلى آخرها ، من أشجار البلدان والبراري ، والبحار ، أقلام ، * ( لنفد البحر ) * وتكسرت الأقلام * ( قبل أن تنفد كلمات ربي ) * وهذا شيء عظيم ، لا يحيط به أحد . وفي الآية الأخرى * ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) * . وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان ، لأن هذه الأشياء مخلوقة ، وجميع المخلوقات ، منقضية منتهية ، وأما كلام الله ، فإنه من جملة صفاته ، وصفاته غير مخلوقة ، ولا لها حد ولا منتهى ، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب ، فالله فوق ذلك ، وهكذا سائر صفات الله تعالى ، كعلمه ، وحكمته ، وقدرته ، ورحمته ، فلو جمع علم الخلائق ، من الأولين والآخرين ، أهل السماوات وأهل الأرض ، لكان بالنسبة إلى علم العظيم ، أقل من نسبة عصفور ، وقع على حافة البحر ، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته ، ذلك بأن الله ، له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة ، وأن إلى ربك المنتهى . * ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إل هكم إل ه واحد فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) * أي : * ( قل ) * يا محمد للكفار وغيرهم : * ( إنما أنا بشر مثلكم ) * أي : لست بإله ، ولا لي شركة في الملك ، ولا علم بالغيب ، ولا عندي خزائن الله . * ( إنما أنا بشر مثلكم ) * عبد من عبيد ربي ، * ( يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) * أي : فضلت عليكم بالوحي ، الذي يوحيه إلي ، الذي أجله الإخبار لكم ، أنما إلهكم إله واحد ، أي : لا شريك له ، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة ، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه ، وينيلكم ثوابه ، ويدفع عنكم عقابه . ولهذا قال : * ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ) * وهو الموافق لشرع الله ، من واجب ومستحب . * ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) * أي : لا يرائي بعمله ، بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى ، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة ، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب ، وأما من عدا ذلك ، فإنه خاسر في دنياه وأخراه ، وقد فاته القرب من مولاه ، ونيل رضاه . آخر تفسير سورة الكهف ، ولله الحمد . سورة مريم * ( كهيعص * ذكر رحمة ربك عبده زكريآ * إذ نادى ربه نداء خفيا * قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) * أي : هذا * ( ذكر رحمة ربك عبده زكريا ) * سنقصه عليك ، ونفصله تفصيلا ، يعرف به حالة نبيه زكريا ، وآثاره الصالحة ، ومناقبه الجميلة ، فإن في قصها عبرة للمعتبرين ، وأسوة للمتقدين ، ولأن في تفصيل رحمته لأوليائه ، وبأي سبب حصلت لهم ، مما يدعو إلى محبة الله تعالى ، والإكثار من ذكره ومعرفته ، والسبب الموصل إليه . وذلك أن الله تعالى ، اجتبى واصطفى ، زكريا عليه السلام لرسالته ، وخصه بوحيه ، فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين ، ودعا العباد إلى ربه ، وعلمهم ما علمه الله ، ونصح لهم في حياته وبعد مماته ، كإخوانه من المرسلين ، ومن اتبعهم ، فلما رأى من نفسه الضعف ، وخاف أن يموت ، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم ، شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن ، وناداه نداء خفيا ، ليكون أكمل ، وأفضل ، وأتم إخلاصا فقال : * ( رب إني وهن العظم مني ) * أي : وهي وضعف ، وإذا ضعف العظم ، الذي هو عماد البدن ، ضعف غيره . * ( واشتعل الرأس شيبا ) * لأن الشيب دليل الضعف والكبر ، ورسول الموت ، ورائده ونذيره . فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه ، وهذا من أحب الوسائل إلى الله ، لأنه يدل التبري من الحول والقوة ، وتعلق القلب بحول الله وقوته . * ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) * أي : لم تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة ، بل لم تزل بي حفيا ، ولدعائي مجيبا ، ولم تزل ألطافك تتوالى علي ، وإحسانك واصلا إلي ، وهذا توسل إلى الله ، بإنعامه عليه ، وإجابة دعواته السابقة ، فسأل الذي أحسن سابقا ، أن يتمم إحسانه لاحقا . * ( وإني خفت الموالي من ورائي ) * أي : وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي ، أي : لا يقوموا بدينك حق القيام ، ولا يدعوا عبادك إليك . وظاهر هذا ، أنه لم ير فيهم أحدا ، فيه لياقة للإمامة في الدين ، وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام ، ونصحه . وأن طلبه للولد ، ليس كطلب غيره ، قصده مجرد المصلحة الدنيوية ، وإنما قصده ، مصلحة الدين ، والخوف من ضياعه ، ورأى غيره ، غير صالح لذلك . وكان بيته من البيوت المشهورة في الدين ، ومعدن الرسالة ، ومظنة للخير ، فدعا الله أن يرزقه ولدا ، يقوم بالدين